فخر الدين الرازي

62

الأربعين في أصول الدين

فهذه الدلائل الثمانية : دالة على أنه لا يلزم من افتقار الشيء في وجوده إلى غيره كون الأثر حادثا . وباللّه التوفيق . ثم نقول : ما ذكرتم من الدلالة منقوض بكون اللّه تعالى عالما بالعلم ، قادرا بالقدرة فان علم اللّه تعالى ان كان واجبا لذاته ، وذاته أيضا واجبة لذاتها . فقد حصل موجودان كل واحد منهما واجب لذاته . وذلك يبطل المقدمة الأولى من مقدمات دليلكم . وان كان علم اللّه تعالى ليس واجبا لذاته ، بل ممكنا لذاته ، واجبا بوجوب ذاته ، مع أن علمه قديم ، كان ذلك اعترافا بكون الأثر والمؤثر دائمين . وذلك يبطل المقدمة الثانية من مقدمات دليلكم . وباللّه التوفيق . والجواب : قوله : « ما الدليل على أن الوجوب أمر ثبوتي ؟ » قلنا : يدل عليه وجهان . الأول : ان الوجوب تأكيد الوجود . فلو كان الوجوب عدميا ، لكان أحد النقيضين سببا لتأكد الآخر . وانه محال . الثاني : ان الوجوب يناقض اللاوجوب ، والداخل تحت اللاوجوب اما الممتنع وأما الممكن الخاص . والممتنع معدوم . والممكن الخاص يجوز أن يكون معدوما . فاذن اللاوجوب محمول على المعدوم ، فيكون معدوما . وان كان اللاوجوب معدوما ، كان الوجوب موجودا . ضرورة أن أحد النقيضين ، لا بد وأن يكون موجودا . وأما المعارضات فإنها بأسرها معارضة بوجه واحد . وهو أن الوجوب لو كان عدميا محضا في الخارج ، لم يكن الشيء في الخارج موصوفا بأنه واجب . فهذا يقتضي نفى واجب الوجود لذاته . وانه محال .